الإعلام التونسي ولعبة السياسة
1,355,226
406
64

بحري العرفاوي

ظل الإعلام في بلادنا لعقود في خدمة السلطة مختزلة في شخص الرئيس تروج لصورته النمطية ولسياساته وتتصدى لكل من يهمس بما يخالفه أو يبدو أنه يخالفه

وقد كان ثمة ربما ما يبرر ذاك الخضوع وهو استحكام قبضة الإستبداد وضعف المجتمع المدني وخفوت صوت المعارضين والحقوقيين في ظل دعم لا محدود من الدوائر الخارجية لرؤساء الدول الضعيفة باعتبارهم حارسين لمصالحهم ومنفذين لتوجيهاتهم الكبرى…كانت ثمة منابر قليلة ومحدودة الإنتشار تعبر عن رغبة عدد من التونسيين في الإصلاح وتنقل همومهم ومشاغلهم ومظالمهم مثل جريدة “الرأي” و”المستقبل” و”الموقف” و”المجتمع” و”الحبيب” و”البديل” و”مواطنون”…غير أنها كانت تفتقد السند المادي للاستمرار وكانت تتعرض كل مرة للمصادرة بما يؤثر على ميزانيتها فيضعفها ويضطرها غالبا للتوقف التلقائي بدافع العجز.

بعد 14 جانفي 2011 وجد الإعلام نفسه بغير “آلهة” فراح يبحث في أغلبه عن “آلهة” يختارها لنفسه تماما كما الطفل الصغير الذي اعتاد مرافقة والده في الزحام وحين أضاعه راح يبحث في وجوه الرجال على ملامح أبيه ولم يتخذ قرارا بالبحث عن مساره وباختيار طريق سيره.

لقد عبر أغلب الإعلاميين عن درجة من الخضوع ل”سياسيين” متفرقين كما عبر أغلب السياسيين عن خضوع لجهات متعددة…لم يتجند الإعلام للقيام بدوره في صناعة الوعي وإنتاج المعاني ومرافقة الجماهير في مسار ثورة كان يمكن أن ترسي بالتونسيين في ميناء الأمان والعدالة والتنمية وتحقيق قَدر من السيادة الوطنية ووحدة المجتمع…لم يقم الإعلام برسالته في التصدي للفوضويين وللفساد ولمحاولات التسلل الخارجي إلى القرار الوطني الحر …كثير من الإعلاميين كانوا يشتغلون تحت إمرة مختبراتٍ خفية وكانوا جنودا في معسكراتٍ سرية تمارس حرب المصطلحات وحرب التشكيك والتشويه والإحباط…الإعلام الذي حررته الثورة من “الآلهة” القاهرة راح يبحث بنفسه عن آلهة جديدة يخدمها ويستظل بمالها وبتجهيزاتها وبمصادر معلوماتها السرية…لقد قبل الكثير من الإعلاميين أن يكونوا أدوات طيعة بين أيدي أطراف متنفذة غامضة ولكنها صانعة للحوادث الكبرى.

لم يكن من باب الشجاعة والثورية والأمانة الإعلامية خوضُ حرب ضد حكومة الترويكا وضد رئاسة الجمهورية وضد بعض الرموز التي كانت في جبهة المعارضة للنظام السابق، ولم يكن من باب الإنحياز للفقراء والمحرومين مبالغة وسائل إعلامية عديدة في نقل مظاهر البؤس والحرمان والكوارث الطبيعية كما لو أن الحكام الجدد هم من أنتجها ولم يمض على انتخابهم إلا أشهر معدودات.

ولم يكن من باب دعم الإبداع والثقافة ولا من باب الترفيه على التونسيين المبالغة في بث حلقات “القلابس” وتفاهات من يزعمون أنهم فكاهيون وممثلون ومغنون وهم يسخرون من رموز وطنية ومن شخصيات نضالية وثورية بهدف الحط من شأنهم وتجرئة العامة عليهم وإفقادهم كل ثقة في النفس وفي الشعب أيضا حين يجدون أنهم أصبحوا محل تندر وامتهان في مجتمع لم يتدرب على فنون النقد وأدب الإختلاف وأخلاق المعارضة.

إن أغلب وسائل الإعلام متهمة بتضييع فرصة ثمينة توفرت للتونسيين كي يبنوا وطنا وكي يحققوا عدالة وتنمية وكي ينعموا بحرية مسؤولة وبأمن مدني وأمان نفسي،إنهم مسؤولون عن تخليق الفوضى وتمكين الفاسدين من العودة إلى السطح بل وإلى الجلوس إلى مقود القيادة.

لم يعد خافيا على التونسيين اليوم أن أغلب وسائل الإعلام أصبحت الآن في وضع اصطفاف خلف أحزاب ولوبيات المال وأن أغلب “الملفات” التي تقدم للمشاهدين إنما هي وَصْفاتٌ مُعَدّةٌ في مُختبراتٍ يُديرها خبراء في صناعة الوهم وفي تصنيع “نجوم” من رماد وفي تخريب الوعي وفي إشاعة الحيرة والقلق واليأس.

أغلب السياسيين يتحملون مسؤولية تهشيم صورتهم بسبب حرصهم المرضي على الظهور الإعلامي وقبولهم الجلوس حيث لا يليق بهم الجلوس فأساءوا لأنفسهم وللسياسة ولمشاريعهم التي قد يكون فيها الكثير من الصواب.

Comments

COMMENT

Mohammed salah

Lorem ipsum dolor sit amet consectetur adipisicing elit. Dolore quod recusandae asperiores, nam iusto ex neque, tempora vel modi quasi saepe enim? Reprehenderit soluta molestiae quia libero expedita beatae earum, modi nulla praesentium incidunt eaque architecto quam dolor commodi aperiam facilis at optio dolorum odio. Minus, quia. Labore, magnam debitis. Perspiciatis cupiditate nesciunt neque itaque aut impedit rerum tenetur assumenda quidem eligendi soluta magnam enim sapiente possimus repellat aliquid optio vel magni, facilis officiis eius. Harum consequatur quasi quia ad ipsa tempore totam officiis nobis iure? Doloribus iure sit voluptatem exercitationem similique. In aut, deserunt architecto maiores nesciunt quos ea!

REPLY

2 replies

406

64

REPLY

Mohammed salah

Lorem, ipsum dolor sit amet consectetur adipisicing elit. Deserunt eveniet assumenda placeat! Sit nobis perspiciatis soluta esse perferendis sed officiis?

REPLY

406

64