السيدة المنوبية .. بين خيال القصة و واقع الممارسة
1,355,226
406
64

غير بعيد عن مستشفى الرازي في ولاية  منوية, يقع مقام السيدة عائشة المنوبية , من أشهر المقامات استقطابا لزائرين في تونس طلبا لبركة أو بحثا عن الراحة النفسية فرغم تعدد الأسباب و تنوعها إلا إن عشاق هذا المقام و المتعلقين به لا يكفون عن زيارته لتخلص من أثقال مرض أثقل عاتقهم، فلهذا المقام مكانة كبرى في قلوب عشاق السيدة المنوبية ويتجسد نشاطه في القيام بعروض غنائية تدخل في صلب الموروث الديني يطلق عليها اسم ” الحضرة “.
يزور المقام العديد من الناس معظمهم من النساء لأجل التقرب من ضريح ” السيدة منوبية ” والاستشفاء ببركتها قصتها توارثتها الأجيال في تونس منذ آلاف السنين على غرار العديد من الأولياء الصالحين الآخرين الذين ينتشرون في معظم مناطق الجمهورية.
عندما تقف لأول وهلة أمام مدخل المقام يتراءى لك تنوع الألوان التي زينت الأعمدة وسط الساحة الكبرى تفصل بين المصلى و مقام السيدة المنوبية ألوان مزجت بين الأخضر و الأحمر والأبيض و الأصفر ألوان تعرف بالمكان و تجذب أنظار المارة إليه .فمن سلك ذلك الطريق ليستطيع أن يزيح أنظاره لجمالية المنظر و غرابته في آن. فالمكان يدل على اصالتة و تجذره في التاريخ المنطقة لقدم بنيانه و اختلافها على بقيه المساكن المجاورة .
ينتصب بجانبه جامع أُسست بنيانه على الطراز المعماري القديم، فترى أمام عينيك مفارقة دينية بين نمطين من الزوار، حيث كان البعض يدخل إلى الجامع لأداء صلاة الظهر، وكان البعض الآخر ومعظمهم من النساء، يدخلون المقام بغية التقرب من ضريح هذه السيدة المباركة. تتجاوز المدخل الذي كان عبارة عن باب كبير، فترى باحة واسعة تتوسط المنزل، في يسارها أريكة يجلس عليها الزوار وبقربها غرفة تعيش فيها إحدى العاملات ,بالمكان نساء يشتغلن في المقام،و يقمن بأعمال التنظيف واستقبال الزوار.

في حضرة مقام السيدة المنوبية
أول ما يشد انتباهك عند الدخول لأول مرة، امرأة عجوز ، تجلس على كرسيها في تأنٍ، تنظر إليك بنظرة تملؤها الترحاب، تقوم باستقبالك وتقديم الشمع لإشعاله على ضريح -السيدة- ثم تضع على يدك شيئا من –الحناء- تبركا بالمكان، ترتكز بجانبها طاولة صغيرة توجد فوقها أنواع من البخور والعنبر وحشائش أخرى، تجلس بجانبها ” جازية ” وهي الوكيلة الثانية داخل المقام بعد ” محمد ” الوكيل الأول، والوكيل هو المسؤول عن أعمال المقام واستقبال الزوار وما إلى ذلك من الخدمات.
في زوايا المكان الغريب تجلس مجموعة من النسوة في شكل فرق تنتظرن الزوار لكي يقمن بالحضرة ,يوجد في المقام أربعة فرق استعراضية أهمها فرقة ” منية وراضية ” ; امرأتان أصيلتا الجنوب التونسي تنحدران من منطقة – دوز-، لمنية صوت حاد وجميل جدا عند الغناء.
يوجد ضريح السيدة منوبية داخل غرفة تنقسم إلى قسمين، مدخل واسع من الأمام ثم غرفة أخرى صغيرة توجد على يسار الضريح ، ” نعم هذا هو قبرها-رحمها الله ” هكذا قالت “جازية ” بنبرة خافتة مشيرة بإصبعها إلى مكان الضريح المزين بالأعلام و الحناء و الشموع ، كانت تقف بجانبه امرأة عجوز كبيرة في السن،أخذ منها التعب مناله، كانت تتمتم بكلمات غريبة غير مفهومة،تخاطب –السيدة- وكأنها تطلب منها شيئا، وهو ما يفعله اغلب المترددين على المكان. رائحة البخور تنبعث في زوايا الضريح وما يزيدها غرابة رائحة الشمع المشتعل داخل غرفة الضريح، يقوم الزوار بإشعال الشمع في شباك صغير ابيض اللون، يوجد في عرض الحائط، أخذ شكل القبة الصغيرة.

السيدة المنوبية في عيون زائراتها ..
استكملنا فسحتنا في أروقة المقام و تعرفنا على النسوة العاملة هناك البعض ترأس مهمة استقبال الزوار و الأخرى مهمة طهي “الزردة” و أخرى تولت مهمة حراسة البئر و سقى الزوار منه كرمز من رموز المكان و بركة من بركات السيدة المنوبية في حين تولت جازية و أخرى رفضت الإفصاح عن اسمها مهمة إعطاء الزوار الشمع و الحلوى و الحناء عند مدخل ضريح السيدة المنوبية . حناء استعملت عند البعض للتعبير عن رغباتهم سواء طلب للحب أو الزواج أو حتى النجاح. أمان كثيرة و أسماء متنوعة لكلا الجنسين كتبت على جدران المقام طلبا لبركة المنوبية .
و نحن نتأمل الأسماء و نكشف عن أسرار البعض منها مع العاملات في الضريح ،قطعنا صوت إحداهن تطلق عقيرتها بالصراخ، نترك الضريح راكضين في اتجاه مكان الصراخ؛ فتاة في العقد الثاني من العمر، يداها ترتجف حتى كادت تُسقط أمها وأختها اللتان بصدد مسكها،” تواصل ” كوثر ” الفتاة المريضة في الصراخ و التخبط ,تنظر إليها فتجدها كأنها تعيش عالمها الخاص ..
خلال فسحتنا اعترضننا العمة زهرة امرأة يبلغ عمرها خمس و سبعون حولا قضت معظمه خدمة لزوار المقام فهي امرأة ذات شأن تتمتع بحس فكاهة كبير و تتمتع بموهبة كشف أسرار المستقبل عبر رؤية كف الزائرين وما يخبأه المستقبل لهم وهو ما يمثل عمل تقتات منه النقود التي تمثلت في شاكلة بعض المليمات التي يقدمها الأهالي لها يوميا كما أطلقت على نفسها اسم السيدة المنوبية الثانية و أطلعتنا على سر حبها للمقام و هو شفائها من مرضها اثر زيارتها للمكان الذي يجدد فيها روح الشباب كما أنها أرجحت سرا نجاحها إلى بركات السيدة المنوبية.
“يوم كل أحد أقوم بالمجيء إلى هذا المقام المبارك، تاركة أبنائي الاثنين و زوجي.. إنها امرأة مباركة جدا ” كانت هذه أول الكلمات التي نطقت بها ” حميدة ” امرأة في العقد الثالث من العمر التقيناه في أروقة المقام يبدو التعب و ملامح المرض بادية على وجهها تحدثت لنا عن السيدة المنوبية و وصفتها بالمرأة الفاضلة التي عرفت بكرمها و حبها للمعرفة و تميزها على بقية الناس بشغفها الكبير في تعلم أسس الدين و حدثتنا عن ما يتداول عليها من إشاعات خارقة كتواجدها في أكثر من مكان في نفس الوقت .
و تروي ” أمينة ” حكاية من أصل الكثير من الحكايات حول -السيدة عائشة المنوبية- ؛ هي فتاة عاشت منذ قديم الزمان على حب الخير للناس أجمعين، كانت تقطن ولاية منوبة، ومورس عليها الظلم من طرف الأهالي الذين اخرجوا عنها كلاما باطلا، كان لأبيها ثور يقتات منه في أعمال الحرث، فجاءته نهارا وطلبت منه الثور لكي تذبحه و تقوم بتوزيع لحمه على الفقراء كي تثبت طيبة قلبها .
و حدثتنا دليلة , امرأة في عقدها الثالث , بدا وجهها شاحب من شدة المرض , عن معاناتها مما أسمته بتلبس الجن لروحها أكملت دليلة حديثها حول السيدة المنوبية و حديثا لا يخلو من الخيال ” كثر الكذب و محاولة البعض المس من شرف السيدة المنوبية ,و محاولة منها لتبرئة نفسها طلبت من أبيها بان يذبح الثور و يوزع لحمه على الناس ثم طلبت منه أن يجمع العظام و يدفنها تحت شجرة و في الصباح قام الناس ليشهدوا عودة الثور حيا من جديد ….”
الحضرة.. غناء و رقص و تخمر
تدخل المقام حملا شعور أو رغبة جامحة في معرفة أسرار هذا المكان الغامض , على بعد خطوات من مدخل المقام ساحة مستطيلة الشكل هناك انتشرت النسوة مجموعات متفرقة البعض ينتظر بدأ الحضرة و الآخرين في انتظار قدوم الزوار .
و في أثناء يهتز صوت “الطبلة” و “البندير” و تنطلق الحضرة، و هي عبارة عن استعراض غنائي، يُستخدم فيه آلات إيقاعية مثل –البندير – وهو آلة تأخذ شكل الدف، تصنع من الجلد والخشب في شكل مستدير، والشنشنات وهي عبارة عن آلات حديدية تمسك بأصابع اليد و يضرب بعضها في بعض مصدرة صوتا موسيقيا جميلا، تنتشر رائحة البخور في كل زوايا المقام و تعالت زغاريد النسوة المرحبة بكل من منية و دليلة التي بدت بغناء العديد من الأناشيد التي تبدأ بالأغاني الصوفية لتنتهي بالأناشيد ذات الإيقاع السريع و النسوة التي لم تكف عن الرقص و هز الشعر للإفصاح عن مكنوناتهم فبعد انتهاء الحضرة تجدهم في حالة من الخمور و اللامبالاة و كأنهم دخلوا لعالم غير عالمنا .
بعد استماعنا لمنية ذات الصوت الجوهري الذي يدخلك في الأجواء الحضرة من دون وعيا منك استلمت فرقة نسائية أخرى أجواء الحضرة و عزفت لنا مقاطع ألهبت الجالسين فلم تعد ترى سوى نسوة تتمايل و تطأطئ في رؤوسها فلم تمضى دقائق حتى شهدنا حالات من الإغماء و الجنون التي يقشعر لها الأبدان.
بعد انتهاء الحضرة و في طريق خروجنا من المقام التقينا بالوكيل الذي يهتم بكامل تفاصيل المقام السيد محمد ، رجل بسيط ليختلف عن الموجدين في الزاوية بل دعم أفكار و القصص التي روها لنا الزوار و قدم لنا لمحة تاريخية عن السيدة المنوبية التي عرفت بالتواضع و البركة و الحنان و العفة ، لقد كانت مثال المرأة التي نجحت في حمل مشعل النضال بهدف انتزاع مكان لها في مجتمع القرن الثالث عشر ، و المرأة التي جاهدت و ضحت بعمرها من أجل المعرفة و الحرية …

نشأت عائشة في العهد الحفصي في القرن الثالث عشر في تونس، وأظهرت ذكاءاً استثنائياً وحدساً مميزاً. كان والدها رجل دين و كان  يشجعها على إكمال تعليمها.

من هي السيدة عائشة المنوبية..

     السيدة المنوبية أو للاّ المنوبية ولدت  سنة  1190 و توفيت سنة 1266 ، واحدة من أشهر نساء تونس تميزت بصوفيتها وأعمالها الخيرية تلمذت على يد ابو الحسن الشاذلي ، وتلقّت دعمًا من والدها لمواصلة تعليمها، واعتُبِر بروزها كامرأة على قدر عالي من التعليم والنشاط الدعوي والخيري حدثًا غير مألوف في عصرها حيث نادي البعض برجمها حتي الموت لطلبها العلم و رفضها الزواج ، أطلق عليها حسن الشادلي إسم القطب لشدة تعلقها بالعلم و علوم الدين .

وقام أهالي منطقتها منوبة ببناء زاويه تكريمًا لها حملت اسم “زاوية السيدة المنوبية”، ونالت هذه الزاوية مكانة هامة في التراث والتاريخ التونسي، تناولت شخصيتها العديد من الكتب والأبحاث التاريخية، بالإضافة إلى العديد من الأعمال الفنية سواءً في الأناشيد الصوفية أو السينما.

Comments

COMMENT

Mohammed salah

Lorem ipsum dolor sit amet consectetur adipisicing elit. Dolore quod recusandae asperiores, nam iusto ex neque, tempora vel modi quasi saepe enim? Reprehenderit soluta molestiae quia libero expedita beatae earum, modi nulla praesentium incidunt eaque architecto quam dolor commodi aperiam facilis at optio dolorum odio. Minus, quia. Labore, magnam debitis. Perspiciatis cupiditate nesciunt neque itaque aut impedit rerum tenetur assumenda quidem eligendi soluta magnam enim sapiente possimus repellat aliquid optio vel magni, facilis officiis eius. Harum consequatur quasi quia ad ipsa tempore totam officiis nobis iure? Doloribus iure sit voluptatem exercitationem similique. In aut, deserunt architecto maiores nesciunt quos ea!

REPLY

2 replies

406

64

REPLY

Mohammed salah

Lorem, ipsum dolor sit amet consectetur adipisicing elit. Deserunt eveniet assumenda placeat! Sit nobis perspiciatis soluta esse perferendis sed officiis?

REPLY

406

64