بعد تسعة أعوام: جمهور الإسلاميين هو الموقد الذي لم ينطفئ
 | 160 
0
0

بحري العرفاوي

لا يُدرك معنى الحرية إلا من حُرم منها ولا يخشى زوال النعمة إلا من عانى النقمة. الشعب التونسي كله عانى الظلم بمقادير مترتبة عن معركة النظام الرئيسية ضد خصمه اللدود "الحركة الاسلامية". التضييق على الحريات ومراقبة أي فعل ثقافي أو سياسي أو ديني أو نقابي أو إعلامي كان تحت عنوان "التصدي للتطرف" أي للإسلاميين . "مدونة العذابات" تزخر بما تعرض له الاسلاميون وزوجاتهم وبناتهم وأبناؤهم وأصهارهم وأقاربهم والمتعاطفون معهم من تنكيل جسدي ونفسي ومعنوي ومادي. فرح أغلب التونسيين بخبر فرار بن علي مساء 14 جانفي 2011 ولكن فرحة الاسلاميين كانت أعظم وأعمق حدّ البكاء...نعم حدّ البكاء... كان كثيرون يودّون لو أن إخوةً وأخوات لهم شاركوهم تلك اللحظة، لحظة تكسر الأغلال وانعتاق الفكرة والروح والأمل من بين أقفاص الصدور...مؤلم جدا حين يُفاجئك الفرح ولا تجد من هو أولى بأن تحدثه عنه وتدعوه إلى مشاركتك سعادتك ودموع فرحتك...مؤلم أن تتذكر شركاء المحنة لحظة المنحة فلا تجدهم فتبكي وينبعث فيك حزن بطعم مختلف. معركة بن علي مع الاسلاميين كانت معركة سياسية بالتأكيد لم يخوضوها معه ك"دعاة" ولم يخضها معهم ك"أبو جهل" ولكنه استعمل معهم ـ وبإشارة من خصومهم العقديين ـ أشد الأساليب فتكا بالحرمة الجسدية وبالعقل وبالنفس وبالروح حتى أصبح بن علي وحلفاؤه عند ضحاياهم أبعد ما يكونون عن شركاء وطن مختلفين منافسين بل أصبحوا "أعداء" "استئصاليين" وهذا مفهوم ومبرر أيضا بالنظر إلى حجم الجريمة التي تعرضوا لها بما هم خصم سياسي كان يمكن أن تدار معهم معركة الأفكار والبرامج وكان يمكن أن يتولى القضاء معالجة أخطاء الأفراد بما هم مخطئون لا بما هم إسلاميون. تلك "الكوابيس" لم تغادر الاسلاميين وصورة خصومهم لم تنقشع عنها بشاعتها وعدوانيتها وهذا مفهوم ومبرر مرة أخرى. طيلة تسعة أعوام ظل الاسلاميون منشغلين كامل زمنهم السياسي والنفسي يواجهون شبح المجرمين الذين آذوهم وأبكوا أطفالهم وبناتهم واعتدوا على حرماتهم، ظلوا يطاردون الغربان مخافة أن تستقدم الوحوش إلى حديقة يظنون أنها تحررت ويخشون أن تُقتحم عليهم وعلى التونسيين من جديد. الاستئصاليون لم يعدلوا مزاجهم ولم يراجعوا أنفسهم ـ إلا قليلا ـ ولذلك لم يتركوا للإسلاميين متسعا من الزمن النفسي والزمن الذهني كي يكتبوا للمستقبل بل ظلوا في الغالب يدونون أوجاعهم ويسجلون مخاوفهم ويمارسون الهشّ بعصيّهم على أحلامهم وأحلام صغارهم تحديدا. طيلة تسعة أعوام لم تنشأ حركة نقدية هادئة ولم تحصل مراجعات شجاعة صريحة ولم تحدد المسؤوليات ولم يعترف كل طرف بمقدار أخطائه ومقدار حقوق الآخرين عليه. تسعة أعوام من الضجيج وتحريك الرماد وتعويم المشهد التونسي في اللغو والصخب والاشاعة والاتهامات والعداوات الزائفة وأيضا من البطولات الوهمية وثورجيات خلع الابواب المهشمة

هل تكون الذكرى التاسعة منطلقا ل"سياسات" جديدة يتحرر فيها السياسيون من الحسابات الحزبية ويلتقون حول اهداف وطنية كبرى يتجندون لتحقيقها من أجل السيادة الوطنية ومن أجل حد معقول من رفاه التونسيين وأمنهم وراحة ضمائرهم وأذهانهم. سنحتاج مزيدا من الوقت حتى تتحول "الثورة" إلى رؤية ومشروع مستقبلي يتعافى فيه التونسيون بعضهم من أحقاده وبعضهم من أوجاعه كي يتجهوا معا نحو مستقبل ينحتونه معا من أجل بناتنا وابنائنا القادمات والقادمين والعالقين في رحم الغيب.

Comments

COMMENT

Recommended