فلم “باترسون” للفنان الأمريكي جيم جارموش الشعر أقوى من.. أمريكا.
1,355,226
406
64

عبد الرزاق بالحاج مسعود

لأول مرة أشاهد قصيدة/فلمًا، أو فلما من شعر، نجح فيه المخرج الفنان في مزج الشعر بالحياة مزجا باهرا.. لن تستطيع وأنت تشاهد الفلم تمييز الحد الفاصل بين الشعر والعيش. يمسك باترسون شيئا بسيطا من أشياء بيته، كعلبة أعواد ثقاب مثلا، فتأتيه جمل هادئة تعيد تشكيل ما وقعت عليه حاسة من حواسه العادية، يظل يردد جمله الهادئة وهو يمشي بنفس النسق الهادئ في طريقه إلى العمل، يجلس أمام مقود الحافلة في انتظار إشارة زميله المشرف على مواعيد انطلاق الحافلات، يأخذ دفتره الصغير، يكتب جمله التي جاءته في البيت، يكررها المخرج عمدا على المشاهد ليلحّ على خياله أن يجد طعم الشعر.. يوميا يقطع مراقب المحطة على باترسون قصيدته بالشكوى من صعوبات الحياة، يسمعه ويتعاطف معه، وينطلق في جولته اليومية في شوارع المدينة/القرية، يسمع حكايات الركاب بابتسامة متفهمة لضرورة العيش على هذا النحو.. أو على أي نحو آخر، لا يهم، يعود آخر النهار إلى داره، يفتح صندوق البريد المثبت أعلى عمود خشبي أمام الدار، ينتبه إلى ميلان العمود، يثبته بقدمه، ويدخل (نكتشف فيما بعد أن الكلب هو الذي يتعمّد دفع عمود البريد “نكاية” في صاحبه الذي بالغ في “الشعر”).
في الدار يرافق أحلام زوجته بإنجاب توأمين، والمترددة بين الرسم وصنع الكعك وتعلم الموسيقى لتصبح نجمة غناء، يشجعها ويعجب بكل ما تفعله برقة.. باهتة، يقبّلها كأنه يقبّل فكرته عنها لا هي، يراقب توددها الزائد للكلب “البولدوغ” الذي يعيش معهما، الكلب الذي “يغار” من باترسون ويزمجر كلما رآه يداعب زوجته، كأنه ينكر على الشاعر منافسته في مزية البقاء في حالة الطبيعة، رغم العيش في بلد “التقدم العنيف”. الكلب الذي يتكفل باترسون بمصاحبته يوميا في نزهة ليلية سيستغل خروج الزوجين إلى السينما، ويفتفت دفتر الشعر الذي نسيه الشاعر لأول مرة على المقعد، وكأنه يمثل موقف الطبيعة/الحياة من الشعر: الشعر، ليس فقط لا يترجم، كما قال الشاعر الياباني الذي التقى باترسون آخر الفلم، مشبها قارئ الشعر المترجم وكأنه يأخذ دشا مرتديا معطفا واقيا من الماء، بل أنه، الشعر، لا يطبع ولا يقرأ، بل يعاش. يعاش حياة ويُحيى كتابة.

فلم للعيش أيضا.

Comments

COMMENT

Mohammed salah

Lorem ipsum dolor sit amet consectetur adipisicing elit. Dolore quod recusandae asperiores, nam iusto ex neque, tempora vel modi quasi saepe enim? Reprehenderit soluta molestiae quia libero expedita beatae earum, modi nulla praesentium incidunt eaque architecto quam dolor commodi aperiam facilis at optio dolorum odio. Minus, quia. Labore, magnam debitis. Perspiciatis cupiditate nesciunt neque itaque aut impedit rerum tenetur assumenda quidem eligendi soluta magnam enim sapiente possimus repellat aliquid optio vel magni, facilis officiis eius. Harum consequatur quasi quia ad ipsa tempore totam officiis nobis iure? Doloribus iure sit voluptatem exercitationem similique. In aut, deserunt architecto maiores nesciunt quos ea!

REPLY

2 replies

406

64

REPLY

Mohammed salah

Lorem, ipsum dolor sit amet consectetur adipisicing elit. Deserunt eveniet assumenda placeat! Sit nobis perspiciatis soluta esse perferendis sed officiis?

REPLY

406

64