معركة الوَصْم وتتفيه البرلمان
1,355,226
406
64

بحري العرفاوي

القبول بانتقال من “الحسم الثوري” إلى “الفرز الانتخابي” يقتضي تغيير منهج التعامل مع كل المشاركين في المحطة الانتخابية كشركاء في المشهد السياسي دون توقف عن منافستهم ومصارعتهم بآليات هي من إحالات الديمقراطية أي بنقد الأفكار والخطاب وتقديم البدائل ومحاولة اجتذاب “جمهور” الخصم ليكون من أنصار فكرتنا ومن المقتنعين بمشروعنا، وهذا ما كان يفعله الأنبياء والرسل والمصلحون “يُفرغنا ثم يملؤنا”.

هل كان ممكنا أن يَردّ أحد متدخلي حركة النهضة على رئيسة حزب الدستوري بخطاب هادئ يكشف خواء خطابها وفساد قاموسها وسوء نواياها وثبوت تورطها في تجربة حكم آذى التونسيات والتونسيين في أمنهم،حريتهم،وكرامتهم ومعاشهم؟

دون استعمال لمفردات هي في متناول عموم الناس وعامتهم من الواقعين تحت طائلة الغضب والعاطفة؟

ما قالته نائبة حركة النهضة لم يكن توصيفا سياسيا ولا تقييما لبرنامج ولا نقدا لخطاب إنما كان “وَصْمًا” في غير مكانة المكان “البرلمان” حتى وإن افترضنا أنه مناسبٌ لمن وُصِمَ به.

البرلمان له مهامه والناس ينتظرون منه ما يتعلق بمطالبهم ومتطلبات حياتهم ومستقبل ذريتهم وكرامة وطنهم.

البرلمان يحتاج علاقات أخرى وخطابا آخر بعد تجاوزنا مرحلة الحملات الانتخابية التي أجاز فيها السياسيون لأنفسهم مختلف “الأسلحة” لتنفير الناس من منافسيهم وإغرائهم بهم كمنقذين وثوريين ومصلحين وووو

ـ وصم عبير النهضويين بما تظنه مسيئا لهم يمكن توصيفه ضمن الزلل الأخلاقي وليس الصراع الإيديولوجي لكونها لا تمتلك إيديولوجيا ولا تخوض معركة أفكار ورؤى وإنما تمارس “الثأر” لنظامها القديم وتحاول “الانتصار” لنفسها هي تحديدا لما لحقها من إهانة وإذلال سواء في حرم المحكمة على أيدي زملائها المحامين أو في عدة جهات أثناء اجتماعاتها الانتخابية.

ـ ما وُصِمت به السيدة نائبة النهضة جميلة الكسيكسي هو أيضا واقع ضمن الزلل الأخلاقي ولم يكن لائقا إنسانيا وأخلاقيا ولكنه لم يكن موقفا “عنصريا” كما يقول البعض، وهو بنظري قول خطير يستدعي إعادة قراءة للمجتمع التونسي في وحدته الدينية والمذهبية والعرقية واللغوية والثقافية فهو من بين المجتمعات الأكثر انسجاما لا تفرقه هويات ولا أعراق ولا ديانات ومذاهب، الحديث عن ظاهرة “عنصرية” كلام مبالغ فيه ولا أساس له.

الوَصْم بلون أو قامة أو وضع اجتماعي أو حاجة عضوية هو من مُنتجات الأزمات الأخلاقية التي لا يختص بها حزب أو جماعة وإنما هي مبثوثة بمقادير في مجتمعنا التونسي الذي نتحمل فيه مسؤولية الإصلاح والتعديل والتهدئة.

ما حدث ويحدث لا علاقة له  بالسياسة ولا بالأفكار ولا بالثورة ولا بنضال وشجاعة وبطولة، إنما هو حالة “تنفيس” عن عقد نفسية وعن فقر معرفي أخلاقي وعن تهاون بالمسؤولية تجاه الناس وتجاه الدولة وتجاه المستقبل.

وبتقدير “المآلات” فإن عبير أفلحت في تجاوز درجة “تصديع” رأس البرلمان إلى مرحلة “شَلّ” حركته وعلى مرأى من التونسيين وحتى من الرأي العالمي، ولا أخالها إلا منتشية بما تظنه إنجازا.

الذين يظنون أنهم ينكلون بعبير عبر شبكات التواصل الاجتماعي إنما يُسهمون في خدمتها ولعلهم أيضا يُسهمون في مساعدتها على تقديم أدلة لـ”وصْمهم” بما يشينهم.

قد يكن مُنتظَرا ـ وهو مرفوض دفعة واحدة ـ انخراطُ عديد الحماسيين الاندفاعيين في معارك “الوَصْمِ” و”التعيير” والقدح والذم والسباب والشتائم، ولكنه غير منتظَر انخراطُ “أسماء” نظنها من صناع الرأي ومُنتجي الأفكار ومُفَجّري المعاني ومُحيي القيم ودعاة الإصلاح،في “عراك” مجاني وبمفردات غير مناسبة.

المعارك الكُبرى لا تُفلح في خوضها الأنفس الصغرى، والمعاني العالية لا ترقى إليها الهمم الكسيحة، والثورة ليست حالة عصبية تُستفرغ في الشتائم والسباب إنما هي “حفر” في أعماق الإنسان من أجل ألا يستمر مشهد القاتل والمقتول أو الجلاد والمجلود.

تونس بحاجة إلى رجال ونساء عُظماء أقل قليلا من الأنبياء والفلاسفة وقريبين جدا من المصلحين والحكماء.

Comments

COMMENT

Mohammed salah

Lorem ipsum dolor sit amet consectetur adipisicing elit. Dolore quod recusandae asperiores, nam iusto ex neque, tempora vel modi quasi saepe enim? Reprehenderit soluta molestiae quia libero expedita beatae earum, modi nulla praesentium incidunt eaque architecto quam dolor commodi aperiam facilis at optio dolorum odio. Minus, quia. Labore, magnam debitis. Perspiciatis cupiditate nesciunt neque itaque aut impedit rerum tenetur assumenda quidem eligendi soluta magnam enim sapiente possimus repellat aliquid optio vel magni, facilis officiis eius. Harum consequatur quasi quia ad ipsa tempore totam officiis nobis iure? Doloribus iure sit voluptatem exercitationem similique. In aut, deserunt architecto maiores nesciunt quos ea!

REPLY

2 replies

406

64

REPLY

Mohammed salah

Lorem, ipsum dolor sit amet consectetur adipisicing elit. Deserunt eveniet assumenda placeat! Sit nobis perspiciatis soluta esse perferendis sed officiis?

REPLY

406

64